تواجه صناعة الطاقة العالمية اليوم تحدياً مزدوجاً: الحاجة إلى تلبية الطلب المتزايد على الطاقة بأسعار معقولة، وفي الوقت نفسه الالتزام الصارم بخفض الانبعاثات الكربونية.
![]() |
| الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز |
في هذا السياق المعقد، يبرز الذكاء الاصطناعي في النفط والغاز ليس كأداة تكميلية، بل كعمود فقري لما يُعرف بـ "الطاقة 4.0".
إن التحول من الحقول التقليدية إلى "الحقول الذكية" (Smart Fields) يعتمد على قدرة الخوارزميات على معالجة تيرابايتات من البيانات الجيولوجية والتشغيلية.
في هذا الدليل الموسّع، نغوص في عمق هذه التقنيات، ونجيب بالتفصيل عن الأسئلة الأكثر شيوعاً التي يطرحها المختصون حول كيفية تطبيق هذه الحلول لرفع الكفاءة التشغيلية وتقليل المخاطر.
كيف نستخدم الذكاء الاصطناعي في صناعة النفط والغاز؟
الإجابة تكمن في تحويل الصناعة من الاعتماد على "الحدس الهندسي" إلى "القرارات المبنية على البيانات".
إن استخدام الذكاء الاصطناعي لا يتم عشوائياً، بل يمر عبر دورة بيانات متكاملة تبدأ من قاع البئر وتنتهي عند متخذ القرار:
- 1. الاستشعار وجمع البيانات (Data Acquisition): تعتمد الحقول الحديثة على آلاف مستشعرات إنترنت الأشياء (IoT) التي تقيس الضغط، الحرارة، معدل التدفق، والاهتزازات لحظة بلحظة.
- 2. المعالجة والتعلم (Machine Learning): يتم تغذية هذه البيانات الضخمة لخوارزميات التعلم الآلي التي تتدرب على البيانات التاريخية للشركة، لتتعلم التمييز بين "الأداء الطبيعي" و"المؤشرات الخطرة".
- 3. التنبؤ واتخاذ القرار (Prediction): بدلاً من إعطاء مجرد تنبيه، تقوم الأنظمة المتقدمة بتقديم توصيات (Prescriptive Analytics)، مثل: "خفض ضغط المضخة رقم 5 بنسبة 10% الآن لتجنب ارتفاع الحرارة".
ما هي المجالات التي يستخدم فيها الذكاء الاصطناعي؟
تغطي تطبيقات الذكاء الاصطناعي سلسلة القيمة بالكامل، ولكن التأثير الأكبر يظهر في المجالات التالية:
أولاً: قطاع الاستكشاف والإنتاج (Upstream)
هذا هو المجال الأكثر تكلفة وخطورة، يستخدم الجيولوجيون الذكاء الاصطناعي لـ تحليل البيانات الزلزالية (Seismic Interpretation). بدلاً من قضاء أشهر في تحليل طبقات الأرض يدوياً، تقوم الخوارزميات بمسح الخرائط الجيولوجية ثلاثية الأبعاد وتحديد احتمالية وجود النفط بدقة عالية، مما يقلل من مخاطر "الآبار الجافة".
ثانياً: الصيانة التنبؤية (Predictive Maintenance)
تعد الأعطال المفاجئة كابوساً لشركات النفط،تقنيات الصيانة التنبؤية تراقب "الصحة التشغيلية" للمعدات الدوارة (مثل التوربينات والمضخات الغاطسة). النظام يمكنه اكتشاف تغييرات طفيفة في نمط الاهتزازات قد تشير إلى عطل سيحدث بعد أسبوعين، مما يمنح فرق الصيانة وقتاً للإصلاح المجدول دون إيقاف الإنتاج.
ثالثاً: إدارة خطوط الأنابيب (Midstream)
يتم استخدام الطائرات المسيرة (Drones) المدعومة بالرؤية الحاسوبية لمسح آلاف الكيلومترات من الأنابيب واكتشاف التسربات الدقيقة أو التآكل الخارجي والصدأ بسرعة وكفاءة تفوق الدوريات البشرية.
نظرة شمولية على قطاع الطاقة
لفهم كيف تتكامل هذه العمليات الدقيقة مع شبكات الكهرباء وتوزيع الطاقة على المستوى الوطني، ننصحك بالاطلاع على دليلنا الأساسي حول الذكاء الاصطناعي في قطاع الطاقة، حيث نناقش البنية التحتية الرقمية اللازمة لهذا التحول.
ما هو الجيل الجديد من الذكاء الاصطناعي في صناعة النفط والغاز؟
بينما ركز الجيل الأول على "التحليل"، يركز الجيل الجديد لعام 2025 على "المحاكاة والاستقلالية"، أبرز تقنيتين تقودان هذا التوجه هما:
- التوأم الرقمي (Digital Twin): تخيل وجود نسخة "رقمية" طبق الأصل لمصفاة تكرير كاملة على شاشة الكمبيوتر، تتفاعل بنفس طريقة المصفاة الحقيقية،يسمح هذا للمهندسين بإجراء اختبارات قاسية وسيناريوهات طوارئ على النسخة الرقمية ليروا النتائج، مما يساعد في تحسين الإنتاج دون تعريض الأصول الحقيقية أو البشر للخطر.
- العمليات المستقلة (Autonomous Operations): بدأنا نرى حقول نفط "ذاتية القيادة" في المناطق النائية، حيث تقوم الروبوتات الذكية بجولات تفتيش روتينية، وتقوم الخوارزميات بضبط صمامات الضغط تلقائياً لتحسين التدفق دون تدخل بشري مباشر إلا في الحالات القصوى.
ما هي شركات النفط والغاز التي تستخدم الذكاء الاصطناعي؟
الريادة في هذا المجال تأتي من الشركات التي استثمرت مبكراً في البنية التحتية للبيانات:
- أرامكو السعودية (Aramco): تعد نموذجاً عالمياً، حيث تستخدم مراكز الثورة الصناعية الرابعة (4IR) التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لإدارة المكامن وتقليل انبعاثات الكربون، مما جعلها تحصل على اعتراف المنتدى الاقتصادي العالمي.
- أدنوك (ADNOC): من خلال مركز "بانوراما" للتحكم الرقمي، استطاعت الشركة توفير مليارات الدولارات عبر دمج البيانات من كافة عملياتها في منصة ذكاء اصطناعي واحدة تساعد في اتخاذ القرارات فورياً.
- بي بي (BP) وشل (Shell): تستخدمان خوارزميات متقدمة لتحسين كفاءة الحفر البحري وتقليل الوقت اللازم للوصول إلى النفط الأول (First Oil).
التكامل الذكي: من الوقود الأحفوري إلى الطاقة الشمسية
من المفارقات الإيجابية أن شركات النفط هي من أكبر المستثمرين في الطاقة المتجددة حالياً.
يتم استخدام الذكاء الاصطناعي لإدارة شبكات الطاقة الهجينة (التي تعمل بالديزل والطاقة الشمسية) لتشغيل الحفارات في المناطق الصحراوية.
النظام الذكي يقرر متى يعتمد على البطاريات الشمسية ومتى يشغل المولدات لضمان أقصى كفاءة، للمزيد من التفاصيل التقنية حول هذا الجانب، اقرأ مقالنا: كيف يساهم الذكاء الاصطناعي في تحسين كفاءة الطاقة الشمسية.
تحديات تطبيق الذكاء الاصطناعي في القطاع
رغم الفوائد الهائلة، لا يخلو الطريق من عقبات يجب على الشركات إدراكها:
- جودة البيانات (Data Quality): الحقول القديمة قد تمتلك بيانات غير منظمة أو ورقية يصعب دمجها في أنظمة حديثة.
- الأمن السيبراني: ربط الحقول الحساسة بالإنترنت يجعلها عرضة للهجمات الإلكترونية، مما يتطلب أنظمة حماية مدعومة بالذكاء الاصطناعي أيضاً.
إن قطاع النفط والغاز يمر بأكبر تحول في تاريخه، الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية لخفض التكاليف، بل هو الأداة الوحيدة التي ستمكن العالم من الاستمرار في استخدام الطاقة التي يحتاجها مع الحفاظ على كوكب الأرض.
المستقبل ليس للنفط فقط، ولا للبيانات فقط، بل لمن ينجح في دمج الاثنين معاً.
